حين تصبح حياة الآخرين معيارًا لحياتنا
*حين تصبح حياة الآخرين معيارًا لحياتنا*
لم تكن المقارنة يومًا غائبة عن حياة الإنسان لكنها كانت محدودة بما يراه في محيطه القريب.
أما اليوم فقد أصبح العالم بأكمله حاضرًا في شاشة صغيرة تعرض علينا كل لحظة نجاحًا جديدًا ومنزلًا أجمل ورحلةً أبعد وإنجازًا أكبر , ومع هذا التدفق المستمر بدأنا نقيس حياتنا بما نراه لا بما نعيشه.
المشكلة ليست في أن نُعجب بإنجاز الآخرين فالإعجاب قد يكون مصدر إلهام وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول حياة الآخرين إلى المقياس الذي نحاكم به أنفسنا.
عندها لا نرى ما حققناه بل ما لم نحققه , ولا نلتفت إلى ما نملكه بل إلى ما يملكه غيرنا.
ولأن الإنسان لا يرى من حياته سوى حقيقتها بينما يرى من حياة الآخرين أجمل ما اختاروا إظهاره تصبح المقارنة غير عادلة منذ البداية ! فنحن نقارن أيامنا العادية بلحظاتهم الاستثنائية وواقعنا الكامل بصورة انتقائية لا تعكس الحقيقة كاملة !
ومع مرور الوقت , تتغير نظرتنا إلى النجاح حيث لم يعد النجاح مرتبطًا بالتقدم الشخصي بل بالتفوق على الآخرين ! ولم يعد الرضا نابعًا من الإنجاز بل من موقعنا مقارنة بمن حولنا ! وهنا يفقد الإنجاز قيمته لأن سقف المقارنة يرتفع باستمرار وكلما وصلنا إلى هدف ظهر هدف آخر لدى شخص آخر.
ومن أخطر آثار هذه الثقافة أنها تجعل الإنسان يؤجل الشعور بالرضا ! فهو يقنع نفسه بأنه سيكون سعيدًا عندما يصل إلى ما وصل إليه غيره ثم يكتشف أن المقارنة لا تنتهي ، فهناك دائمًا من يملك أكثر أو يسافر أكثر أو يحقق نجاحًا أكبر ، وهكذا يتحول الرضا إلى هدف مؤجل لا يأتي.
ولا يقتصر أثر المقارنة على الجانب المادي بل يمتد إلى تفاصيل الحياة كلها : في المهنة، والمظهر، والعلاقات، وحتى طريقة عيش الإنسان ليومه ! فيبدأ البعض بتغيير قراراتهم لا لأنها تناسبهم بل لأنها تشبه ما يفعله الآخرون ! ومع الوقت يفقد الإنسان صوته الداخلي ويصبح منشغلًا بإرضاء صورة رسمها المجتمع أكثر من انشغاله بما يناسبه فعلًا.
ومن المفارقات أن وسائل التواصل الاجتماعي التي قرّبت المسافات بين الناس بعدّت في أحيان كثيرة المسافة بين الإنسان ورضاه عن نفسه ! فهي تعرض جانبًا من الحياة لكنها لا تعرض الحياة كلها.
تعرض لحظات النجاح ولا تعرض ساعات التعب !
تعرض النتائج ولا تعرض الطريق الذي سبقها !
ولذلك فإن بناء أحكامنا على ما نراه فيها يشبه قراءة صفحة واحدة من كتاب ثم الادعاء بمعرفة قصته كاملة.
إن المقارنة تصبح صحية فقط عندما تكون مع أنفسنا ، أن نسأل: هل أصبحت اليوم أفضل مما كنت عليه بالأمس؟ هل تعلمت مهارة جديدة؟ هل تجاوزت ضعفًا كان يعيقني؟ هذه المقارنة وحدها هي التي تدفع الإنسان إلى النمو دون أن تسلبه راحته.
فالنجاح ليس نسخة واحدة يعيشها الجميع ولا طريقًا واحدًا يسلكه الناس ! لكل إنسان ظروفه وأولوياته وقدراته وما يصلح لغيره قد لا يصلح له.
ولهذا فإن أجمل إنجاز يحققه الإنسان ليس أن يشبه الآخرين بل أن يقترب كل يوم من النسخة التي يريدها هو لنفسه.
وفي النهاية .. لا تكمن المشكلة في أن ننظر إلى حياة الآخرين بل في أن ننسى حياتنا ونحن ننظر إليهم.
فحين تصبح حياة الآخرين معيارًا لحياتنا نفقد القدرة على رؤية ما نملكه وننسى أن لكل إنسان رحلة مختلفة وأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما عند الآخرين بل بما نصنعه نحن في حياتنا.
تعليقات
إرسال تعليق