لماذا نحتاج دائمًا إلى رأي الآخرين؟
لماذا نحتاج دائمًا إلى رأي الآخرين؟
هناك سؤال بسيط نادرًا ما نتوقف عنده: لماذا أصبح رأي الآخرين حاضرًا في كثير من قراراتنا حتى تلك التي لا تخصهم؟
قد يقرر شخص تغيير عمله فيسأل: ماذا سيقول الناس؟ وقد يرغب شخص آخر في خوض تجربة جديدة فيتردد لأن المحيطين به قد لا يفهمون اختياره ، حتى في التفاصيل الصغيرة أصبحنا نبحث عن تأكيد خارجي يخبرنا بأن ما نفعله صحيح.
لا بأس أن نستشير ولا بأس أن نستمع إلى تجارب الآخرين لكن المشكلة تبدأ عندما نفقد القدرة على اتخاذ القرار من دون موافقة أحد.
ربما لأننا تعودنا منذ الصغر على البحث عن الإجابة الصحيحة حتى أصبحنا نعتقد أن لكل قرار في الحياة إجابة واحدة يجب أن يتفق عليها الجميع ! لكن الحياة لا تسير بهذه الطريقة.
ما يناسب شخصًا قد لا يناسب غيره وما يراه أحدهم فرصة قد يراه آخر مخاطرة لأننا لا نعيش الظروف نفسها ولا نملك الأهداف نفسها ولذلك من الطبيعي ألا تكون اختياراتنا متشابهة.
ومع ذلك نجد أنفسنا أحيانًا نحاول أن نجعل قراراتنا مقبولة لدى الجميع ونختار ما يبدو مناسبًا في نظر المجتمع ونخشى الطريق المختلف ونراجع قراراتنا أكثر من مرة ليس لأننا اكتشفنا خطأ فيها بل لأننا لم نحصل على التأييد الذي كنا ننتظره.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الأمر أكثر تعقيدًا فقد أصبح بإمكان الإنسان أن يعرف رأي الآخرين في لحظة وأن يرى باستمرار كيف يعيش غيره وماذا يختار وماذا ينجح فيه!
وهذا الكم الكبير من الآراء قد يجعل الإنسان يشك حتى في الأمور التي كان مقتنعًا بها لكن هناك حقيقة بسيطة نغفل عنها وهي أن الناس يرون جزءًا صغيرًا من حياتنا بينما نحن نعيشها كاملة.
الآخرون لا يعرفون كل الأسباب التي دفعتنا إلى قرار معين ولا يعرفون ما مررنا به ولا يعرفون ما نبحث عنه فعلًا ، لذلك من غير المنطقي أن نعطي رأيًا عابرًا سلطة كاملة على قرار قد يغير حياتنا.
الاستماع مهم لكن الاختيار مسؤوليتنا ، قد يخبرك أحدهم أن الطريق الذي اخترته صعب وقد يكون محقًا وقد يحذرك آخر من تجربة جديدة وقد يكون لديه سبب وجيه ، الاستماع إليهما لا يعني بالضرورة التراجع كما أن تجاهلهما لا يعني بالضرورة المضي قدمًا.
المهم أن نعود بعد كل الآراء إلى أنفسنا ، أن نسأل: ماذا أريد؟ ماذا أستطيع؟ وما القرار الذي أستطيع أن أتحمل نتائجه؟ هذه الأسئلة أهم من سؤال: ماذا سيقول الناس؟
فالقرار الذي نعيشه نحن لا يستطيع الآخرون اتخاذه بدلًا منا كما أنهم لن يعيشوا نتائجه بالنيابة عنا وربما يكون أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو أن نتعلم الفرق بين الاستشارة والتبعية.
أن نستشير لأننا نريد أن نرى الصورة بشكل أوضح لا لأننا عاجزون عن اتخاذ القرار وأن نستمع إلى النقد لنراجع أنفسنا لا لنفقد ثقتنا بها.
ليس المطلوب أن نتجاهل الآخرين ولا أن نعتقد دائمًا أننا على صواب المطلوب فقط ألا يصبح اختلاف الآخرين معنا دليلًا على أننا مخطئون فبعض القرارات تحتاج إلى شجاعة أكثر مما تحتاج إلى موافقة.
وقد لا يفهم الآخرون اختيارك اليوم ثم يصبح بعد سنوات أكثر القرارات التي تفخر بها وقد يصفق الجميع لقرار ما ثم تكتشف وحدك أنه لم يكن مناسبًا لك لذلك لا يمكن أن تكون الحياة بحثًا مستمرًا عن قبول الآخرين.
سيبقى هناك من يعجب بما تفعل ومن ينتقده ومن لا يفهمه أصلًا وهذه حقيقة لن تتغير مهما حاولنا أما الشيء الذي نستطيع تغييره فهو مقدار السلطة التي نعطيها لكل ذلك.
أخيرًا .. لا يعني النضج أن نتوقف عن الاستماع بل أن نعرف متى نستمع ومتى نقرر فالإنسان الذي يحتاج إلى موافقة الجميع قبل أن يعيش قد يقضي عمره وهو ينتظر الإذن وربما تكون الحرية الحقيقية أبسط من ذلك كله: أن تسمع آراءهم باحترام ثم تختار طريقك بوعي.
تعليقات
إرسال تعليق